القرطبي
226
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أو لم يلتذ لم يكن عليهما شئ حتى يفضي إلى البشرة ، وسواء في ذلك كان متعمدا أو ساهيا ، كانت المرأة حية أو ميتة إذا كانت أجنبية . واختلف قوله إذا لمس صبية صغيرة أو عجوزا كبيرة بيده أو واحدة من ذوات محارمه ممن لا يحل له نكاحها ، فمرة قال : ينتقض الوضوء ، لقوله تعالى : ( أو لامستم النساء ) فلم يفرق . والثاني لا ينقض ، لأنه لا مدخل للشهوة فيهن . قال المروزي : قول الشافعي أشبه بظاهر الكتاب ، لان الله عز وجل قال : ( أو لامستم النساء ) ولم يقل بشهوة ولا من غير شهوة ، وكذلك الذين أوجبوا الوضوء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترطوا الشهوة . قال : وكذلك عامة التابعين . قال المروزي : فأما ما ذهب إليه مالك من مراعاة الشهوة واللذة من فوق الثوب يوجب الوضوء فقد وافقه على ذلك الليث بن سعد ، ولا نعلم أحدا قال ذلك غيرهما . قال : ولا يصح ذلك في النظر ، لان من فعل ذلك فهو غير لامس لامرأته ، وغير مماس لها في الحقيقة ، إنما هو لامس لثوبها . وقد أجمعوا أنه لو تلذذ واشتهى أن يلمس لم يجب عليه وضوء ، فكذلك من لمس فوق الثوب لأنه غير مماس للمرأة . قلت : أما ما ذكر من أنه لم يوافق مالكا على قوله إلا الليث بن سعد ، فقد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر أن ذلك قول إسحاق وأحمد ، وروي ذلك عن الشعبي والنخعي كلهم قالوا : إذا لمس فالتذ وجب الوضوء ، وإن لم يلتذ فلا وضوء . وأما قوله : ( ولا يصح ذلك في النظر ) فليس بصحيح ، وقد جاء في صحيح الخبر عن عائشة قالت : كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي ، وإذا قام بسطتهما ثانيا ، [ قالت ( 1 ) ] والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح . فهذا نص في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الملامس ، وأنه غمز رجلي عائشة ، كما في رواية القاسم عن عائشة ( فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فقبضتهما ) أخرجه البخاري . فهذا يخص عموم قوله : ( أو لامستم ) فكان واجبا لظاهر الآية انتقاض وضوء كل ملامس كيف ( 2 ) لامس . ودلت السنة التي هي البيان لكتاب الله تعالى أن الوضوء على بعض الملامسين دون بعض ، وهو من لم يلتذ ولم يقصد .
--> ( 1 ) من ز ، ط ، ح ، ج . ( 2 ) في ا وح : حيث .